تأتي ذكرى العاشر من رمضان من كل عام لتجدد في وجدان الأمة المصرية والإسلامية صفحةً مشرقةً من تاريخها المعاصر، يوم استردّت فيه مصر كرامتها، وأثبت جيشها الباسل قدرته على تحطيم أسطورة العدو الذي ظنّ أنه لا يُقهَر؛ فكان نصر العاشر من رمضان –السادس من أكتوبر– شاهدًا على أن الإيمان حين يقترن بالإرادة الواعية، والعلم الدقيق، والتخطيط المحكم، والعمل الجاد، والتضحية الصادقة، تتبدل به موازين القوى وتُصنع به أعظم الانتصارات بفضل الله تعالى.
إن نصر العاشر من رمضان لم يكن حدثًا عسكريًا عابرًا، بل كان ملحمة حضارية متكاملة، تجلّت فيها مقومات القوة الحقيقية للأمة؛ إذ صدحت حناجر الجنود بنداء التكبير في لحظة العبور، في مشهدٍ جسّد عمق الارتباط بالله وأكد أن الإيمان الصحيح كان ولا يزال قوة دافعة تصنع الصمود وتمنح المقاتل قدرةً استثنائية على مواجهة التحديات والتضحيات.
كما مثَّل هذا النصر مدرسةً صادقةً في البذل والتكافل والفداء، إذ التحمت إرادة الدولة بإرادة المجتمع في معركةٍ كانت معركةَ مصيرٍ ووجود، وتدفقت طاقات الأمة كلها في اتجاهٍ واحد، بروحٍ عاليةٍ من التضحية والمسؤولية، وقد أدرك الجميع أن حماية الأرض وصيانة العِرض واجبٌ شرعيٌّ ووطنيٌّ لا يقبل التراخي، فهو دفاعٌ عن الهوية والوجود والمستقبل.
ولم يكن ذلك التلاحم العميق وليد لحظةٍ عابرة، بل كان ثمرة إعدادٍ طويلٍ وتربيةٍ راسخةٍ في وقت الاستنزاف غرست في النفوس معنى الانتماء الصادق، ورسّخت أن الأوطان لا تُصان بالشعارات، وإنما تُحفظ بالإيمان والعمل والوحدة والتضحية.
إن من أعظم ما تجلّى في ذلك اليوم من مقومات الإعداد الحقيقي للنصر تماسكُ الجبهة الداخلية وتلاحمُ أبناء الوطن على اختلاف مواقعهم وطبقاتهم الاجتماعية، حتى ذابت الفوارق وتراجعت الاعتبارات الضيقة أمام الهدف الأعلى، واجتمع الجميع خلف رايةٍ وهدف واحد؛ حيث شكّل هذا التماسك الشعبي العميق عنصرًا حاسمًا في حسم المعركة، ودليلًا ساطعًا على أن قوة الأمم تنبع أولًا من وحدتها الداخلية وصلابة نسيجها المجتمعي جنباً إلى جنب مع باقي مقومات القوة اللازمة.
لقد جسّد نصر العاشر من رمضان — السادس من أكتوبر — معنى الاستقلال الحقيقي في القرار الوطني، وأبرز قيمة الإرادة الحرة التي لا ترتهن لضغوط الخارج ولا تنصاع لإملاءاته حين يتعلق الأمر بمصير الوطن وأمنه القومي.
فقد أكدت تلك التجربة التاريخية أن السيادة ليست شعارًا يُرفع، بل قدرةٌ عملية على اتخاذ القرار في اللحظات الفاصلة دون تردد أو تبعية؛ كما برهنت على أن الدول التي تمتلك قرارها تمتلك مستقبلها، وأن مواجهة التحديات الكبرى لا تتحقق إلا بإرادةٍ سياسيةٍ رشيدة، تستند إلى وعيٍ استراتيجي، وثقةٍ شعبية، ومؤسساتٍ وطنيةٍ قوية قادرة على حمل أعباء المرحلة وصون مكتسبات الدولة.
إن هذا النصر كان رسالةً واضحةً بأن الحفاظ على الهوية وصيانة المصالح الوطنية لا يتحققان إلا بالقوة الشاملة: قوة الإيمان، وقوة العلم، وقوة السلاح، وقوة التماسك المجتمعي.
ومن هنا، فإن ذكرى نصر العاشر من رمضان يجب أن تتحول إلى بوصلةٍ استراتيجيةٍ واعية، تهدي الأجيال القادمة إلى سنن النصر الحقيقية وأسبابه الموضوعية؛ فالتاريخ ليس سردًا لوقائع مضت، وإنما خبرةٌ متراكمة تهدي الحاضر وتبني المستقبل؛ والأمم التي تغفل عن دروس ماضيها تفقد تدريجيًا قدرتها على صناعة غدها، وتصبح أكثر عرضةً للتحديات والانتكاسات.
إن الإدراك الواعي بطبيعة التحديات التي تعصف بالمنطقة، وحجم المخاطر المحدقة بالأمن القومي المصري والعربي والإسلامي، يفرض علينا التمسك بعناصر القوة والوحدة، وتعزيز القدرة على حماية المقدسات وصون الحقوق المشروعة.
وفي هذا الإطار، يصبح من الضروري التمييز الدقيق بين إدارة الصراع وفق مقتضيات المصالح والظروف المتغيرة، وبين التفريط في الثوابت أو الذوبان في مشاريع تستهدف طمس الهوية وإضعاف الإرادة الوطنية.
فالمعاهدات والاتفاقات تظل أدواتٍ سياسية تُوزَن بميزان المصلحة، وتُقدَّر بظروفها وسياقاتها، لكنها لا يمكن أن تكون بديلًا عن اليقظة الاستراتيجية أو الوعي العميق بطبيعة الصراع ومآلاته؛ ذلك أن العدو لا يكتفي بأدوات المواجهة الصلبة، بل يعمل على تمييع الصراع وإفراغه من مضمونه عبر مشاريعه الثقافية والإعلامية الناعمة، مستعينًا بأبواقٍ تتحدث بألسنتنا وتستهدف إعادة تشكيل الوعي الجمعي للأمة.
ومن أخطر هذه المحاولات السعي إلى تفكيك المنظومة العقدية والقيمية في نفوس الأجيال، عبر الترويج لمشاريع فكرية وثقافية تسعى إلى تمييع ثوابت الإسلام — والتي هي من أعظم مقومات النصر — سواء من خلال الدعوة إلى صيغٍ دينيةٍ هجينةٍ تذيب الفوارق العقدية –كالدعوة إلى ما يُسمى بالدين الإبراهيمي– ، أو عبر التشكيك في صلاحية الشريعة الإسلامية لقيادة الحياة المعاصرة، تحت شعارات إعلامية من قبيل “التجديد” أو “الحريات” أو “مواكبة العصر”.
حيث تعد هذه الصياغات في حقيقتها محاولات تستهدف تفريغ المجتمع من مرتكزاته العقدية والأخلاقية والقيمية، وإضعاف تماسكه الداخلي، تمهيدًا لإخضاعه ثقافيًا وحضاريًا، بعد أن عجزت أدوات الهيمنة الصلبة عن تحقيق ذلك منفردة.
ومن هنا يتبين أن حماية الثوابت وصيانة الهوية ليست قضية فكرية مجردة، بل هي ركيزة أساسية من ركائز الأمن القومي وحماية الدولة واستقرار المجتمع.
وختامًا، تظل ذكرى العاشر من رمضان شاهدًا حيًّا على أن الأمة التي تعرف ربها حق المعرفة، وتحسن إعداد قوتها إعدادًا شاملًا، وتتمسك بثوابتها الجامعة وتماسكها الداخلي، قادرة — بعون الله — على تجاوز المحن وصناعة النصر مهما تعاظمت التحديات وتكاثفت الأخطار.
فهي رسالة متجددة تؤكد أن صون المقدسات وحفظ الأوطان ليسا مهمة جيلٍ بعينه، بل مسؤولية جماعية تتوارثها الأجيال، وتستلزم وعيًا راسخًا، وعملًا دؤوبًا، وحكمةً رشيدة في إدارة الواقع، وتمسكًا أصيلًا بالإيمان والقيم التي كانت — ولا تزال — مصدر القوة الحقيقية وصانعة النصر المتجدد.
فهل نستحضر اليوم تلك الدروس العظيمة، ونجعلها منهجًا لبناء حاضرٍ مشرق وصناعة مستقبلٍ آمن، حتى تظل مصر — بعون الله — قويةً عزيزةً منيعة، صامدةً بإيمان أبنائها وصلابة سواعدهم وتماسكهم، حافظةً لشرفها وكرامتها عبر الأجيال والأزمان؟