عاجل
المقالات

حين تتكلم الصواريخ.. تسقط الشعارات

المكتب الإعلامي

المكتب الإعلامي

· 2
حين تتكلم الصواريخ.. تسقط الشعارات

بعض الأحداث لا تكشف فقط عن موازين القوى، وإنما تكشف عن حقيقة المشاريع، وتسقط كثيرًا من الشعارات، وتضع الجميع أمام أسئلة لا يمكن تأجيلها.

وما حدث مؤخرًا من اعتراض الدفاعات السعودية مسيّرة حوثية جنوب مكة، قبل دخولها الأجواء المحظورة فوق مكة المقدسة، ليس مجرد حادث عسكري عابر؛ فـ مكة ليست مجرد مدينة، فأمنها يتصل بأمن المسلمين من شتى بقاع الأرض ويرتبط بمقدسات أمة بأكملها. 

وقد أعلنت السعودية أن المسيّرة كانت متجهة نحو مكة، وسواء حاول الحوثيون تخفيف الأمر بنفي استهداف مكة ذاتها أم لا؛ فإن اقتراب العمليات العسكرية من الأجواء المحظورة حول مكة، بالتزامن مع اتساع نطاق الهجمات، يفرض قراءة تتجاوز الشعارات إلى طبيعة المشاريع التي تقف خلف هذه الأذرع، وأهدافها، والثمن الذي تدفعه شعوب المنطقة.

لقد اعتاد البعض أن ينظر إلى المشروع الإيراني وأذرعه المسلحة من زاوية واحدة: مواجهة أمريكا وإسرائيل ورفع شعار المقاومة، ثم يبني على ذلك أن كل ما يصدر عن هذا المحور محسوب تلقائيًا لمصلحة الأمة.

وهذه قراءة لا تستقيم مع تعقيدات الواقع وحقائق الأمور؛ فليس كل من واجه عدوًا للأمة يصبح بالضرورة مشروعًا للأمة، وليس كل من رفع شعار القدس والمقاومة يمثل تلقائيًا مصالح المسلمين جميعًا.

فالسياسة تُقرأ بحقائق الأفعال ونتائجها، لا بجمال الشعارات وحدها؛ والميليشيات الحوثية تمثل أحد أبرز أذرع النفوذ الإيراني في المنطقة، كما ارتبط حزب الله اللبناني بالمشروع الإيراني الإقليمي.

ولا ينبغي إغفال البعد العقدي في هذا الصراع؛ فـ دوائر هذا المشروع وأذرعه تحمل خطابًا مذهبيًا أسهم في تأجيج الصراع الطائفي واستهداف أهل السنة في عدد من ساحات الصراع؛ ولذلك فإن مواجهة هذا المشروع تحتاج، إلى جانب الوعي السياسي، إلى وعي عقدي راسخ، وتمسك بعقيدة أهل السنة والجماعة، وعدم الانسياق وراء محاولات التهوين من حقيقة الخلاف العقدي السني الشيعي.

كما أن خطورة التمدد الحوثي لم تعد مجرد نفوذ سياسي أو عسكري داخل دولة عربية؛ فالموقع الذي يسيطر عليه الحوثيون على الساحل اليمني يضع باب المندب في قلب الحسابات الاستراتيجية؛ وهذا المضيق يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، ويشكّل جزءًا أساسيًا من الطريق البحري بين آسيا وأوروبا عبر قناة السويس.

وقد دفعت الهجمات الحوثية خلال السنوات الماضية سفنًا إلى تغيير مساراتها حول رأس الرجاء الصالح، بما رفع تكاليف النقل والتأمين وأربك حركة التجارة .. ومن هنا لا يتعلق الأمر باليمن وحده؛ فـ تهديد باب المندب يمس أمن السعودية ومصالح مصر ودول الخليج وحركة التجارة الدولية، وهو ما يفسر تأكيد القاهرة والرياض أهمية حرية وأمن الملاحة في باب المندب والبحر الأحمر.

وفي الجهة الأخرى يقف مضيق هرمز، أحد أهم ممرات الطاقة في العالم، حيث يمثل اضطراب الملاحة فيه ورقة ضغط اقتصادية واستراتيجية بالغة التأثير.

وهنا تتضح الصورة كاملة: باب المندب من الجنوب، وهرمز من الشرق؛ وبينهما شبكة من الممرات التي تحمل جانبًا أساسيًا من تجارة الطاقة العالمية.

وهكذا يتحول النفوذ على هذه الممرات من مجرد مكسب عسكري إلى ورقة ضغط سياسية واقتصادية؛ ترفع كلفة النقل والطاقة، وتهدد سلاسل الإمداد، وتفرض على الدول حسابات جديدة.

وهذه هي النقطة التي ينبغي ألا تغيب عن قراءة المشروع الإيراني وأذرعه: فالمسألة ليست مجرد صواريخ ومسيّرات وميليشيات متفرقة، وإنما شبكة نفوذ تمتد عبر الإقليم وتقترب من أهم الممرات الاستراتيجية التي تتحرك عبرها التجارة والطاقة.

كما أنه لا يجب أيضا أن نقرأ هذا الخطر بمعزل عن المشروع الصهيوني ومحاولاته التوسعية في الإقليم، وما يرتبط به من صراعات وأعمال استخباراتية؛ فـ الأمة ليست أمام تهديد مشروع واحد، وإنما أمام مشروعات صهيونية / وصفوية / وغربية تتنافس على النفوذ والهيمنة عبر تحويل المنطقة العربية والإسلامية إلى ساحات للصراع وتصفية الحسابات.

ولذا فليس مطلوبًا من الأمة أن تختار بين مشروع إيراني أو مشروع صهيوني وولاء غربي، وإنما المطلوب أن تمتلك هي مشروعها الذاتي؛ مشروعًا إسلاميًا سنيًا مستقلًا، يحفظ عقيدة الأمة وهويتها، ويحمي أوطانها وسيادتها، ويصون مقدساتها، ويدافع عن قضاياها العادلة، ويحفظ مصالحها الاستراتيجية، ويرفض أن تتحول أرض المسلمين وممراتهم البحرية إلى أدوات ضغط في يد أي قوة خارجية.

فـ أمن مكة والمدينة ليس شأنًا محليًا، وأمن البحر الأحمر وباب المندب ليس شأنًا يمنيًا أو سعوديًا فقط، وأمن الخليج وهرمز ليس شأنًا إيرانيًا أو خليجيًا منفردًا؛ إنها دوائر متصلة، وأي اضطراب كبير فيها تمتد آثاره إلى عموم المنطقة، وفي مقدمتها مصر والسعودية ودول الخليج.

ولهذا فإن المطلوب هو وعي سياسي وعقدي واستراتيجي لا تنطلي عليه الشعارات؛ فـ الأمة أكبر من أن تختزل في دولة، وأوسع من أن تحتكرها جماعة أو ميلشيات، وأعظم من أن تكون ميدانًا تتصارع فوقه مشاريع الآخرين.. 

وحين تتكلم الصواريخ، ينبغي ألا تصمت العقول، وحين تتغير خرائط النفوذ، ينبغي أن ندرك حقيقة الواقع؛ فـ ما يجري من باب المندب إلى مضيق هرمز، ومن غزة إلى الجولان، ومن ليبيا إلى السودان ليس مجرد صراع على النفوذ فقط، بل صراع على أمن المنطقة وقرارها ومقدراتها وممراتها الاستراتيجية. 

ولا تصان المقدسات بالشعارات، ولا تُحمى الأوطان بالوكالة، ولا يُستعاد القرار إلا بامتلاك الأمة مشروعها وإرادتها.