يشهد السودان منذ شهورٍ طويلةٍ واحدةً من أكثر مراحله التاريخية مأساويةً واضطرابًا، حيث تتصاعد الأحداث بوتيرةٍ داميةٍ تُظهر حجم الكارثة الإنسانية والسياسية التي ألمّت بالبلاد.
فالمشهد السوداني اليوم بات عنوانًا للفوضى الشاملة: جثثٌ في الطرقات، ومدنٌ مدمَّرة، وملايين من النازحين، في حربٍ لا غالب فيها إلا الخراب، ولا خاسرَ فيها إلا الشعب السوداني بكل أطيافه.
هذه الأزمة لم تأتِ من فراغ، بل هي نتيجةٌ طبيعيةٌ لمسارٍ طويلٍ من الفتن الداخلية والتدخلات الخارجية التي عبثت ببنية الدولة والمجتمع، حتى صار السودان ساحةً مفتوحةً لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية، بعد أن كان ركنًا أصيلًا من أركان الأمن القومي العربي والإسلامي.
ولئن كانت مشاهدُ الاقتتال والاغتصاب في السودان، وتعاظمُ صور الفوضى والدمار والمجاعة، وارتفاعُ أعداد القتلى في الشوارع، وامتلاءُ الطرقات بالدماء، وانتشارُ الجثث المتحللة فيها، مشاهدَ تُدمي القلوب وتُثير الألم الإنساني، فإنها في الوقت ذاته تفتح الباب أمام قراءةٍ أعمق لحقائق الأمور، تكشف إلى أي دركٍ من الانهيار يمكن أن يصل وطنٌ حين ينفلت من وعيه الجمعي، ويُستدرج أبناؤه إلى معارك لا رابح فيها إلا المتآمرون في الخارج؛ ومن تلك الحقائق:
أولًا:
لقد تحوّل السودان –ذلك البلد العربي المسلم الذي كان يومًا منبعَ الخيرات وأملَ النهوض– إلى ساحة حربٍ داخليةٍ طاحنةٍ، تتداخل فيها النزاعات العرقية والقبلية، وتُرتكب فيها جرائم إبادةٍ وتشريدٍ واغتصابٍ ونهبٍ مسلح، في مشهدٍ يعيد إلى الأذهان المآسي ذاتها التي لحقت ببعض البلدان العربية والاسلامية من قبل بعد رياح ثورات الربيع العربي، حين ابتُلِيَت شعوبها بفتن الداخل الدافعة للثورات تحت ضغط الأزمات الاقتصادية أو الخلافات السياسية مع تدخلات الخارج المؤججة لها، فتمزقت الدول، وتسللت القوى الغربية إلى مفاصل القرار والثروة، فغابت الدولة وحضرت الميليشيات، وتحوّلت الأوطان إلى خرائطَ جديدةٍ من الدويلات الضعيفة التي لا تقوى على حماية أرضٍ ولا عرضٍ ولا مقدّس.
ثانيًا:
إن جرح السودان أشدّ إيلامًا من سابقيه؛ لأنه جاء على أيدي أبنائه بعد تجارب مريرةٍ في المنطقة كشفت بوضوحٍ نتائج الانسياق وراء المسارات الصدامية والدعوات العاطفية التثويرية، وأظهرت حجم الدمار الذي يمكن أن تجرَّه تلك المسارات على الأوطان بأيدي أبنائها أنفسهم.
ومع هذا كله، لم تأبه الأطراف المتصارعة في السودان بتلك الدروس البليغة، فانخرطت في صراعٍ دامٍ من أجل مصالح ضيقة، متجاهلةً مآلات أفعالها الكارثية على بلدها، بل وعلى المنطقة بأسرها.
إن حرب الإبادة التي تجري اليوم في السودان ليست إلا بيانًا واضحًا لما تؤول إليه الأمور:
- حين يتحوّل التنافس السياسي إلى صراعٍ مفتوحٍ يهدم تماسك الدولة ويدفع إلى تقسيم البلاد على أساس الولاءات القبلية والعرقية والمناطقية.
- وحين تتداخل الانقسامات الأيديولوجية والمصلحية، ويغيب المشروع الوطني الإصلاحي الجامع الذي يوازن بين المكونات المختلفة ويضبط بوصلتها.
- وحين ينحّي العقلاء المخلصون الإصلاحيون أو يتراجعون عن التواجد الفاعل في المشهد السياسي والمجتمعي، فتُفتح الساحة وتُمنح الفرصة –على طبقٍ من ذهب– للصداميين والتثويريين والنفعيين لتأجيج مشاعر الجماهير وتوجيههم نحو التمرد وفق مصالحهم الضيقة.
- وحين يزداد المشهد اشتعالًا بدخول أطرافٍ خارجيةٍ على خط النزاع، كلٌّ وفق مصالحه الاقتصادية أو الأمنية.
ثالثًا:
إن المشهد السوداني الدامي يُعد بيانًا واضحًا وانعكاسًا صارخًا لتشابك المصالح الإقليمية والدولية؛ فلم يعد الصراع في السودان شأنًا داخليًا، بل صار ساحةً لتقاطع مشاريع النفوذ الإقليمي والدولي:
- فالقوى الغربية الكبرى تنظر إلى السودان باعتباره موقعًا استراتيجيًا بالغ الحساسية لما يمثله من ثروةٍ معدنيةٍ وزراعيةٍ وموقعٍ جغرافيٍ يربط بين العمق الإفريقي والمجال العربي.
- كما أن أطرافًا إقليميةً تسعى لتوظيف الأزمة السودانية بما يخدم أهدافها، سواء عبر دعم طرفٍ على حساب آخر، أو عبر محاولة السيطرة على الموانئ ومصادر الذهب والنفط والمعابر الحدودية.
- وفي خلفية هذا المشهد تقف الرؤية الصهيوأمريكية الكبرى المستمرة ضد الدول العربية والإسلامية عبر تكتيكاتٍ متعددة، تسعى إلى تفكيك الدول العربية واحدةً تلو الأخرى وتقسيم المتاح منها تباعًا، مع إشعال المناطق الحدودية المحيطة بمصر —قلب العالم العربي والإسلامي، والعصية بفضل الله على الانكسار إلى الآن— استنزافًا لقدراتها الاقتصادية والعسكرية، ولتُترك في قلبٍ محاصرٍ بنطاقٍ من الفوضى والاضطرابات، عبر إشعال مناطق التماس وتحويلها إلى بؤر تهديدٍ دائمة
رابعًا:
تُعدّ دارفور اليوم النقطة الأكثر سخونةً في الصراع السوداني، وإن ما يحدث الآن من وقوعها تحت سيطرة ميليشيا الدعم السريع يمثل بؤرة الخطر الأكبر، إذ أن ذلك يعني خروج منطقةٍ شاسعةٍ من غرب السودان عن سلطة الدولة، ويفتح الباب واسعًا أمام التدخل الخارجي، ويجعل الإقليم ساحةً محتملةً للتهريب والتسليح وتجارة البشر، بما يهدد الأمن الإقليمي بأكمله، وعلى رأسه الأمن القومي المصري ..
فـ دارفور ليست بعيدة عن مصر جغرافيًّا ولا سياسيًّا؛ بل تمثل امتدادًا طبيعيًّا لجنوبها، ومن ثمّ فإن استقرارها أو اضطرابها ينعكس مباشرةً على استقرار الحدود الجنوبية لمصر.
بل إن أي تغيرٍ ميدانيٍ في هذا الإقليم يجب أن يُقرأ في سياقه الأمني الاستراتيجي الأوسع، لا في حدوده السودانية فقط؛ فإن انعكاساته على الأمن القومي المصري تمثل تحديًا مباشرًا في أربعة أبعاد رئيسية:
1- البعد الأمني: احتمال تحول الحدود الجنوبية إلى ممرٍّ لتهريب الأسلحة والعناصر المسلحة، بما يفرض عبئًا إضافيًا على المؤسسة العسكرية المصرية في ظل تعدد بؤر التهديد المحيطة بها.
2- البعد السياسي: ضعف الدولة السودانية أو تقسيمها يخلّ بالتوازن الإقليمي ويتيح لقوى دوليةٍ وإقليميةٍ التغلغل في العمق الإفريقي المجاور لمصر، وهو ما يتعارض مع المصالح الاستراتيجية المصرية.
3- البعد الاقتصادي والمائي: تشترك مصر والسودان في نهر النيل باعتباره شريان الحياة لكليهما، وأي اضطرابٍ سياسيٍ أو إداريٍ في السودان سيؤثر حتمًا في إدارة مياه النهر والمشروعات المشتركة، خاصةً في ظل التعقيدات القائمة في ملف سد النهضة.
4- البعد الإنساني: تزايد النزوح السكاني من السودان شمالًا يشكل تحديًا إنسانيًا وأمنيًا معقدًا لمصر، يتطلب استعدادات ميدانية وضبطًا دقيقًا للحدود.
ومن ثمّ فإن متابعة مصر الدقيقة للأوضاع في السودان ودارفور ليست تدخلًا في شأن خارجا عنها، بل ضرورةٌ وجوديةٌ لحماية أمنها وحدودها ومصالحها الحيوية؛ فدارفور تعد الحديقة الخلفية لجنوب مصر، وأي اضطرابٍ فيها يستوجب حساباتٍ دقيقة وتأهبًا استراتيجيًّا كبيرًا.
خامسًا:
إن السودان اليوم جرحٌ غائرٌ في جسد الأمة الممزق، فتحه أبناؤه بأيديهم حين ساروا خلف الخطابات العاطفية التي استغلت معاناتهم الاقتصادية، فاندفعوا إلى ثورةٍ لم يُقدَّر مآلها، ثم تُركوا نهبًا لتدخلات الخارج وأجنداته، ولصراعاتٍ قبليةٍ وعرقيةٍ تُدار عن بُعدٍ بأموالٍ وأسلحةٍ مشبوهة، فاستُدرجوا إلى فخٍّ ابتلع شعبًا وسفك دمه، وخرب أرضه وقسّم دولته عبر صراعاتٍ داخليةٍ دُمّرت فيها مؤسسات الدولة وتسللت من خلالها القوى الخارجية.
لقد دفع السودانيون ثمن غياب الوعي الجمعي، وتغليب المصلحة الخاصة على مصلحة الوطن، والانسياق خلف الأوهام الثورية دون إدراكٍ لمآلاتها الواقعية؛ *لذا فالدرس العملي لكل الشعوب العربية والإسلامية أن يدرك الجميع أن الحل الحقيقي في الإصلاح لا يكون في التثوير والصدام والاستقواء بالخارج والدعوة إلى حمل السلاح، بل يكون في الدفع نحو الإصلاح السلمي المتدرج من الداخل –وإن طال– مع المحافظة التامة على تماسك الدولة والحفاظ على قوة مؤسساتها، عبر المساهمة الفاعلة في بناء مشروعٍ وطنيٍّ إصلاحي جامعٍ يحفظ الهوية والمرجعية الإسلامية للبلاد، ويراعي مقتضيات الواقع السياسي الخارجي والبعد المجتمعي الداخلي، ويستفيد من تجارب المنطقة المأساوية لا ليكررها، بل ليتجاوزها.*
سادسًا:
إن واجب المرحلة يفرض على الدول العربية والإسلامية والقوى الوطنية السودانية أن تتحرك بعقلٍ راشدٍ يقدّر حجم الخطر، وأن تعمل على:
1- إيقاف هذا الصراع المسلح فورًا، والوقوف بحزمٍ ضد هذه الممارسات اللا إنسانية والإجرامية التي ترتكبها ميلشيات الدعم السريع ضد أبناء الشعب السوداني في مناطق الصراع، مع دعم الجهود اللازمة لحفظ وحدة السودان وسلامة مؤسساته
2. رفض التدخلات الأجنبية بكل صورها، ومنع أي صورةٍ من صور التقسيم الجديد.
3. تعزيز التعاون المصري والإسلامي والعربي في إدارة المشهد بما يحفظ تماسك السودان ويمنع مزيدًا من القتل والتجويع، مع المساهمة في رفع المعاناة عن أهله، ودعم مصر في تأمين حدودها ومشروعات النيل المؤثرة على أمنها القومي.
4. توعية الشعوب بخطورة الانسياق وراء الخطابات العاطفية التي لا تدرك الشرع ولا تفهم الواقع.
وفي الختام
نسأل الله أن يحقن دماء المسلمين في السودان وسائر بلاد الإسلام، وأن يُطعم جائعهم، ويؤمِّن خائفهم، ويرزقنا وإياهم البصيرة والرشاد، وأن يحفظ مصر من كيد الماكرين وحماقة المغرَّرين، ويصرف عنها كل فتنةٍ مُضلّة، ومِحنةٍ مُزلزِلة.