عاجل
المقالات

الحضارة العربية الإسلامية

المكتب الإعلامي

المكتب الإعلامي

· 43
الحضارة العربية الإسلامية

الحضارة العربية الإسلامية

الحضارة العربية الإسلامية

قاد العرب والمسلمون "العصر التأسيسي للعلوم"، وأصبحت "اللغة العربية" هي اللغة الرسمية والوحيدة للبحث العلمي عالمياً لعدة قرون، وشهدت طفرة في الطب، والرياضيات، والفلك، والكيمياء، وغير ذلك.

فقد انصهرت الهوية العربية مع رسالة الإسلام، ما أدى إلى قفزة حضارية كبرى نقلتهم إلى قيادة العالم ، واستوعبت شعوباً وثقافات متعددة، وصهرتها في قالب لُغوي وفكري واحد.

إن عظمة الحضارة الإسلامية تكمن في أنها حضارة قيمية، ولم تكن مجرد طفرة مادية عابرة، بل اعتمدت على  العلم والمعرفة والعدل بالتوازي مع الاهتمام بالجانب الإيماني والقيمي كركيزتين أساسيتين.

وقد أرسى العلماء المسلمون القدامى قواعد المنهج العلمي التجريبي وقدموا ابتكارات غيرت مسار البشرية في مختلف التخصصات، شملت اختراع الصفر وتأسيس علم الجبر، واكتشاف الدورة الدموية، وتأسيس علم البصريات الحديث، واختراع أدوات جراحية دقيقة لا تزال مستخدمة حتى اليوم، وهناك أمثلة كثيرة في ذلك:

ففى الطب والصيدلة اكتشف "ابن النفيس" الدورة الدموية الصغرى، وصحح المفاهيم الطبية السائدة في عصره.

وبرع "أبو بكر الرازي" في التشخيص السريري، وهو أول من فرَّق بين الجدري والحصبة بدقة، وميَّز بين أنواع الحميات.

ويُعد "الزهراوي"، "أبو الجراحة الحديثة"، حيث ابتكر العديد من الأدوات الجراحية، ووصف طرق خياطة الجروح وربط الشرايين.

وفى الكيمياء والعلوم التطبيقية يُلقب "جابر بن حيان" بأبى الكيمياء، لأنه أدخل المنهج التجريبي لهذا العلم، وابتكر عمليات التقطير والتبخير وتصنيع الأحماض.

وفى الفيزياء والبصريات فإن "الحسن بن الهيثم" هو مؤسس علم البصريات الحديث، وأثبت أن العين ترى الأشياء نتيجة انعكاس الضوء عليها وليس العكس.

وفى الرياضيات والفلك أسس "الخوارزمي" علم "الجبر" كفرع مستقل عن الحساب، وأدخل الأرقام العربية إلى النظام الرياضي العالمي.

وأثبت "البيروني" أن الأرض تدور حول محورها، وحدد خطوط الطول ودوائر العرض بدقة بالغة. 

ورسم "الإدريسي" خريطة العالم الأكثر دقة في العصور الوسطى، وصنع مجسمًا كرويًا للأرض.

وقام "عباس بن فرناس" بأول محاولة طيران حقيقية مبنية على حسابات علمية.

ومثلت فترة الأندلس العصر الذهبي للحضارة الإسلامية في أوروبا، حيث استمر الوجود الإسلامي فيها نحو ثمانية قرون "من عام 711م حتى سقوط غرناطة عام 1492م"، وتحولت خلالها شبه الجزيرة الأيبيرية إلى منارة عالمية للعلم، والابتكار، والإشعاع الثقافي.

ثم تسربت العلوم الأندلسية عبر مدارس الترجمة في طليطلة وإيطاليا، وكانت الأساس الذي قامت عليه النهضة الأوروبية الحديثة.

وبعد سقوط الأندلس، انتقل ثقل الإسهام العلمي للمسلمين إلى مراكز وحواضر جديدة، حيث قادت الدولة العثمانية، مشعل التقدم العلمي، بالتزامن مع استيعاب المغرب العربي وأوروبا للإرث الأندلسي.

ففى العمارة والهندسة العسكرية صمم "المعمار سنان" أكثر من (300) مبنى ومنشأة، وابتكر حلولاً هندسية مقاومة للزلازل، مثل جامع السليمانية.

كما برع العثمانيون في هندسة المعادن، وصناعة أضخم المدافع في العصر الحديث مثل مدفع الفتح.

وبنى "تقى الدين الشامي" مرصد إسطنبول، وابتكر ساعة ميكانيكية فلكية تدق بالثواني، وكتب في علم الهندسة الميكانيكية.

و أَلفَ "شرف الدين بن علي" كتاباً مصوراً في الجراحة يُعد أول أطلس جراحي في التاريخ يتضمن صوراً توضيحية لعمليات جراحية.

و رَسَمَ أمير البحر العثماني " بيري ريس" خريطة عالمية بالغة الدقة عام 1513م، تضمنت سواحل الأمريكتين بدقة مذهلة بناءً على حسابات فلكية ومسوح بحرية.

وفضل العرب والمسلمين العلمي على الغرب، قد اعترف به منصفو المؤرخين الغربيين أنفسهم مثل "جوستاف لوبون" في كتابه "حضارة العرب" و"سيجريد هونكه" في "شمس العرب تسطع على الغرب"، حيث شكلت العلوم العربية الجسر الأساسي الذي عبرت فوقه أوروبا من ظلمات العصور الوسطى إلى أنوار عصر النهضة.

ويمكن تلخيص هذا الفضل في خمسة محاور استراتيجية:

1- إرساء المنهج العلمي التجريبي.

2- ثورة الرياضيات وتأسيس لغة العلم الحديث.

3- إنقاذ الإرث اليوناني وتطويره بحركة الترجمة.

4- وضع دساتير الطب والصيدلة العالمية.

5- تأسيس الجامعات والمؤسسات الأكاديمية.

وقد كانت الجامعات والمراكز العلمية في العالم الإسلامي - وبشكل خاص في الأندلس وصقلية - الوجهة الأولى والأكثر جاذبية لأبناء الملوك، والأمراء، والنبلاء الأوروبيين، وكانت اللغة العربية حينها هي لغة العلم، والتحضر التي يتفاخر بها علية القوم في أوروبا.

وهناك شواهد تاريخية موثقة تثبت هذا ومنها:

شهادة "أوفارو القرطبي" (Alvaro of Córdoba)  كتب هذا الأسقف والمفكر المسيحي الأندلسي في القرن التاسع الميلادي معبراً عن حسرته من شدة إعجاب الشباب المسيحي والنبلاء بالثقافة العربية وتخليهم عن اللاتينية، حيث قال في مقولته الشهيرة: "إن إخواني في الدين يجدون لذة كبرى في قراءة أشعار العرب وقصصهم، ويدرسون وفاق وفلسفة علماء المسلمين، لا ليفندوها بل ليتعلموا منها كيف يعبرون عن أنفسهم بالعربية بأسلوب بليغ وأنيق.

 واأسفاه !! إن الشباب المسيحيين الموهوبين لا يعرفون اليوم إلا لغة العرب وآدابها، ويدفعون مبالغ طائلة لاقتناء كتبها، وينفقون في كل مكان لسان العرب بفخر".

الإمبراطور فريدريك الثاني - إمبراطور الصقليين - كان يتحدث ويكتب العربية بطلاقة، ويحيط نفسه بالعلماء والفسيفساء الإسلامية، ونشأ في صقلية المتأثرة جداً بالثقافة الإسلامية، بل وكان يراسل علماء المسلمين لحل معضلات فلسفية ورياضية.

الملك ألفونسو العاشر - ملك قشتالة - أمر بترجمة أمهات الكتب العربية إلى اللاتينية والإسبانية، وكان بلاطه غارقاً في العادات والعلوم العربية.

البابا سيلفستر الثاني (جيربرت دي أوريلاك) أول بابا فرنسي للكنيسة الكاثوليكية، وقبل أن يصبح بابا، سافر إلى شمال إسبانيا والأندلس ودرس في مدارسها وجامعاتها، وتعلم الرياضيات والفلك العربي، وهو الذي نقل الأرقام العربية والنظام العشري واستخدام الصفر إلى أوروبا بعد أن أدرك عبقرية هذا النظام مقارنة بالأرقام الرومانية المعقدة.

وفي العصر الحديث، واصل العلماء والباحثون العرب والمسلمون تقديم إسهامات علمية رفيعة المستوى في أرقى الجامعات والمراكز البحثية العالمية، وحاز العديد منهم على أرفع الجوائز الدولية، بما في ذلك جائزة نوبل.

ففى الكيمياء وفيزياء الليزر، نال المصري "أحمد زويل" جائزة نوبل في الكيمياء عام 1999م، لتأسيسه علم "كيمياء الفيمتو"، واخترع ميكروسكوبًا رباعي الأبعاد لرصد حركة الجزيئات في زمن الفيمتو ثانية.

ونال الباكستاني "محمد عبد السلام" جائزة نوبل في الفيزياء عام 1979م، لإسهامه في نظرية التوحيد الكهروضعيف، وهي حجر أساس في الفيزياء الحديثة.

كما حاز التونسي " منجي الباوندي" على جائزة نوبل في الكيمياء عام 2023م، لأبحاثه الرائدة في اكتشاف وتطوير "النقاط الكمومية" المستخدمة في الشاشات والطب الحيوي.

وطور كل من أوزليم توريجي وأوجور شاهين "التركيان" أول لقاح فعال ومُعتمد عالميًا ضد فيروس كورونا "فايزر-بيونتيك" باستخدام تقنية الحمض النووي الريبوزي المرسال  (mRNA).

و ساعد العالم المصري "فاروق الباز" مدير مركز الاستشعار عن بعد في جامعة بوسطن، وكالة "ناسا" في التخطيط العلمي لرحلات "أبولو" واستكشاف جيولوجيا القمر واكتشاف المياه الجوفية في الصحاري.

ومن علماء مصر أيضاً: "علي مصطفى مشرفة" عالم فيزياء نظرية، وُصف بـ "أينشتاين العرب"، وله أبحاث رائدة في النظرية النسبية وميكانيكا الكم.

و "سميرة موسى" أول عالمة ذرة مصرية، تخصصت في الطب النووي، وسعت لتسخير الطاقة الذرية للأغراض الطبية السلمية.

و "مصطفى السيد" عالم كيمياء حيوية، ورائد استخدام "نانو الذهب" في تشخيص وعلاج الخلايا السرطانية.

و "يحيى المشد" عالم فيزياء نووية مصري بارز، ترأس المشروع النووي العراقي وله أبحاث عالمية في هندسة المفاعلات.

و "حاتم زغلول" عالم ومخترع، ساهم بشكل أساسي في ابتكار وتطوير التكنولوجيا الجوهرية لشبكات الاتصال اللاسلكي Wi-Fi .

و "هدى المراغي" عالمة هندسة صناعية، وأول امرأة تتولى عمادة كلية الهندسة في تاريخ كندا، ولها إسهامات ثورية في أنظمة التصنيع المرنة.

وغير هؤلاء فى العالم العربي، والعالم الإسلامي الكثير والكثير.

وفي الوقت الحالي، تعيش مصر طفرة علمية ملحوظة يقودها جيل جديد من الباحثين والعلماء في الداخل والخارج، حيث تمكنت من إدراج أكثر من  (1100) عالم مصري ضمن "قائمة ستانفورد العالمية لأفضل 2% من العلماء الأكثر تأثيراً في العالم". 

كما دخلت العاصمة القاهرة رسمياً ضمن أفضل (100)  تجمع ابتكاري عالمي في مؤشر الابتكار العالمي  GII)).

وبرزت أسماء لامعة في التصنيفات العالمية الحديثة مثل الدكتور "محمود عبد العاطي" المتخصص في الرياضيات والمعلوماتية الكمية وحاصل على جوائز عالمية، والدكتور "أحمد العسقلاني" في الهندسة والتكنولوجيا.

وتصدر العلماء المصريون المشهد الدولي في قطاعات حيوية تشمل الكيمياء، "في الصدارة بـ 259 عالماً"، تليها التقنيات الاستراتيجية، ثم الطب السريري والفيزياء.

وتقود الجامعات المصرية مثل جامعة القاهرة وعين شمس، أبحاثاً تطبيقية متقدمة في دمج الذكاء الاصطناعي للتنبؤ بالتغيرات المناخية، وتحلية المياه، وتطوير الجيل الجديد من العلاجات الجينية الموجهة لمرضى السرطان.

وختاما؛ إنَّ أمجادَ الحضارة العربية الإسلامية ليست صفحاتٍ نقرؤها للتفاخر، بل دروسٌ نستمدُّ منها العزيمةَ لاستئناف المسيرة؛ فخيرُ دليلٍ على عظمة حضارتنا أن نجعلَ من أمجاد الماضي منطلقًا لنهضة الحاضر.

فالحضاراتُ لا تُبنى بالأمجاد الموروثة وحدها، ولا تُستعاد بالأماني المنشودة، وإنما تُصنع بالعقول المبدعة، والهمم العالية، والمؤسسات الراسخة، والعمل المتواصل.

فالأممُ لا تستعيد مكانتَها بمجرد استحضار ماضيها، وإنما بحُسن بناء حاضرها، وإحكام إعداد مستقبلها؛ وما أحقَّ أُمَّةً أضاءت للعالم دروبَ المعرفة بالأمس، أن تسعى اليوم لتكون شريكةً في صناعة النور، لا متفرِّجةً على صُنَّاعه !