عاجل
المقالات

المعاهدات والاتفاقيات الدولية

الدكتور طلعت مرزوق

الدكتور طلعت مرزوق

· 2
المعاهدات والاتفاقيات الدولية

الدستور هو القانون الوضعي الأعلى في الدولة، ويُسمي بالقانون الأساسي، لأنه يضع الأسس التي تقوم عليها الدولة، وهو مصدر جميع السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية.   

والدستور يسمو على القانون العادي فضلاً عن اللوائح، ويترتب علي مبدأ سمو الدستور عدم تعارض القوانين واللوائح مع أحكام الدستور.

وإذا تأملنا المرتبة القانونية للمعاهدات والاتفاقيات الدولية في بعض الدساتير، نجد أن الدستور الفرنسي نص في المادة الخامسة والخمسين على أن: "يكون للمعاهدات أو الاتفاقات التي يتم التصديق أو الموافقة عليها قانوناً منذ نشرها قوة تفوق القوانين شريطة أن يُطبق الطرف الأخر هذا الاتفاق أو هذه المعاهدة".

بينما نص الدستور الأمريكي في الفقرة الثانية من المادة السادسة علي أن: "هذا الدستور، وقوانين الولايات المتحدة التي تصدر تبعاً له، وجميع المعاهدات المعقودة أو التي تُعقد تحت سلطة الولايات المتحدة تكون القانون الأعلى للبلاد، ويكون القضاة في جميع الولايات مُلزمين بها، ولا يُعتد بأي نص في دستور أو قوانين أية ولاية يكون مُخالفاً لذلك".

أما الدستور المصري الصادر عام 2012م، والمعدل في 2014م، و2019م، فنص في مادته الحادية والخمسين بعد المائة علي أن: "يمثل رئيس الجمهورية الدولة في علاقاتها الخارجية، ويبرم المعاهدات، ويصدق عليها بعد موافقة مجلس النواب، وتكون لها قوة القانون بعد نشرها وفقا لأحكام الدستور. ويجب دعوة الناخبين للاستفتاء على معاهدات الصلح والتحالف وما يتعلق بحقوق السيادة، ولا يتم التصديق عليها إلا بعد إعلان نتيجة الاستفتاء بالموافقة. وفي جميع الأحوال لا يجوز إبرام أية معاهدة تخالف أحكام الدستور، أو يترتب عليها التنازل عن أي جزء من إقليم الدولة".

وهو نفس المستوي الوارد بمشروع دستور 1954م مادة 108، ودستور 1956م مادة 143، ودستور 1958م مادة 56، ودستور 1964م مادة 125، ودستور 1971م مادة 151، وكذا الاعلان الدستوري الصادر في 30 مارس 2011م بند 6 من المادة 56، والاعلان الدستوري الصادر في 8 يوليه 2013م بند 3 من المادة 24.

علماً بأن دستوري 1923م، 1930م، لم يحددا في المادة 46 مرتبة قانونية صريحة.

كما نص الدستور المصري في مادته الثالثة والتسعين على أن: "تلتزم الدولة بالاتفاقيات والعهود والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان التي تصدق عليها مصر، وتصبح لها قوة القانون بعد نشرها وفقاً للأوضاع المقررة".

كما نص في المادة رقم (249) على أن: "يؤخذ رأى مجلس الشيوخ فيما يأتى: ......................... معاهدات الصلح والتحالف وجميع المعاهدات التى تتعلق بحقوق السيادة...".

وهذا المستوي ينبغي المحافظة عليه مستقبلاً، لأنه العرف الدستوري المستقر، والمناسب للوضع السياسي القائم بالبلاد من جهة قوة السلطة التنفيذية والتشريعية والقضائية، والمتعلقة بالسيادة، والمحافظة علي الأمن القومي، وحتى لا تكون باباً خلفياً للمساس بالاستقلال الوطني.

يتبين مما سبق أن موقع المعاهدات الدولية في الدساتير تراوح بين:

قوة القانون "مصر".

قوة تفوق القوانين "فرنسا". 

القانون الأعلى للبلاد "أمريكا".

بيد أن الفقه والقضاء الدستوري الأمريكي يضعان الدستور في قمة الهرم القانوني، فوق المعاهدات، والقوانين الفيدرالية. بينما تعلو المعاهدات، والقوانين الفيدرالية على دساتير الولايات، وقوانينها المحلية.

وأريد أن أنوه لمسألة في غاية الأهمية وهي: قابلية نصوص المعاهدة الدولية للتطبيق الذاتي، بمعني تطبيق القاضي المصري للنص بالحالة التي هو عليها، دون الحاجة الي تدخل من المشرع الداخلي ليُصدر قراراً أو لائحة تُحدد نطاق النص أو تكمل عناصره، خاصة في النصوص الجنائية.

فقد يُجرم النص الدولي فعلاً مُعيناً مع ترك شِق العقاب الجنائي عليه لكل دولة من الدول الأعضاء، فتُنشر هذه النصوص في الجريدة الرسمية للدولة، وتُصبح نافذة، لكنها لا تقبل التطبيق الذاتي حتي يتدخل المشرع ويُحدد شِق العقاب. ولا يعني عدم قيام المشرع الداخلي بهذا الإجراء مشروعية الأفعال المُجَرمة في الشرعة الدولية. ويظل التزام الدولة قائماً أمام مواطنيها من ناحية، وأمام الجماعة الدولية بأسرها إلي حين الوفاء به من ناحية أخري.

أما القواعد الآمرة بالإباحة فهي قابلة للتطبيق الذاتي، حتي وإن تضمن التشريع الجنائي الوطني نصوصاً تُجرم وتُعاقب عليها، حتي وإن لم يقم المشرع الداخلي بإلغاء تلك النصوص بعد نفاذ قواعد الشرعة الدولية في نظامه القانوني رغم التعارض القائم بينهما، إذ يُعد النص الداخلي المتعارض معها منسوخاً بها منذ نفاذها، وهنا يُعيد النص الدولي الأشياء لأصلها وهي الإباحة، ويُعيد موقف صاحبها لأصله وهو البراءة، ولأن الفعل الواحد لا يمكن أن يكون حقاً وجريمة في آن واحد.

والمثال التطبيقي لذلك أمام القضاء المصري هو قضية إضراب العاملين بسكك حديد مصر (القضية رقم 4190 لسنة 1986م جنايات الأزبكية، المُقيدة برقم 165 لسنة 1986م جنايات أمن دولة عليا طوارئ).

والمتابع لسير العدالة يُلاحظ خلو ساحات المحاكم المصرية من المطالبة بتطبيق القواعد القانونية المُكونة لمعاهدات حقوق الانسان، وهو ما أدي الي عزوف أعضاء السلطة القضائية عن بحث هذه القواعد ذات المصدر الدولي وتطبيقها علي ما هو مطروح عليهم من قضايا.

ويرجع ذلك الي:

- عدم إدماج هذه القواعد في التقنين "الكود CODE".

- عدم مطالبة معظم المحامين بتطبيق هذه القواعد وطرحها في صحف الدعاوي أو مذكرات الدفاع لعدم الالمام الكافي بها وبمدي التزام القضاء بتطبيقها.

- اكتفاء المشرع الوطني بتصديق الدولة علي هذه المعاهدات ونشرها لتكون جزءاً لا يتجزأ من النظام القانوني، دون أن يتدخل بما هو ملتزم به لجعل هذه المعاهدات تقبل التطبيق الذاتي، خاصة ما يتصل منها بالتجريم والعقاب.